كلمة أحمد مكي، عضو مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة “جي بي أي”

أمام جمع كبير من وزراء الاتصالات ومسئولي القطاع من مختلف أنحاء العالم:

 

أصحاب السعادة، السيدات والسادة، الضيوف الكرام،

إنه لمن دواعي سروري أن تُتاح لي فرصة التحدث إليكم اليوم، لإلقاء الضوء على ما يشكله موضوع إتاحة الإنترنت عالمياً من أهمية متزايدة على مختلف المستويات ولجميع المجتمعات والقطاعات حول العالم. وهو الأمر الذي نحرص دوماً في شركة “جلف بريدج انترناشيونال” على التأكيد على أهميته في مختلف المحافل الإقليمية والعالمية.

لعلكم تُدركون جميعاً البُعد الهام للحصول على “خدمات النطاق العريض عالي السرعة” (High-speed Broadband) والتي باتت مطلباً في غاية الأهمية لجميع الأفراد والمجتمعات والشركات. ففي العقدين الماضيين، عندما كان الخبراء يتحدثون عن “الفجوة الرقمية بين الشعوب”، كانوا يقصدون تلك الفجوة بين الأشخاص القادرين على الوصول الى الإنترنت، وأولئك الذين لم يتسنَّ لهم ذلك. ولكن في عالم اليوم، فإن المعنى المقصود بالفجوة الرقمية قد اختلف. فهي اليوم تشير إلى جودة ونوعية سعة البيانات التي يمكن الحصول عليها، والتي باتت تفصل العالم إلى فريقين، أولهما تتاح له إمكانية التمتع بسعة بيانات عالية، وثانيهما لم يحظَ بعدُ بتلك القفزة التكنولوجية المهمة.

والأبحاث العالمية الحديثة تُؤكد أن زيادة سرعة الانترنت بنسبة 10 بالمائة في دول الاقتصاديات الناشئة من شأنه زيادة طاقة الناتج الإجمالي المحلي بنحو 1.4 بالمائة. وذلك لأن التمتع بربط سريع مع الانترنت (النطاق العريض أو البرودباند) والذي يقدم سعة بيانات عالية، سينعكس بلا شك بشكل إيجابي على جميع قطاعات العمل، ويسهم بفعالية في زيادة معدل الإنتاجية.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، تعتمد معظم العمليات في قطاع الخدمات المالية اعتماداً كلياً على كونها متصلة بشبكات ذات سعة نقل بيانات عالية وقيم زمنية منخفضة جداً لمقدار التأخير في توصيل البيانات (Low Latency Values)، وكذلك اعتمادية الشبكات وموثوقيتها (reliability and resilience)، وهي الأمور التي يحتاجها ذلك القطاع لمعالجة المعاملات المالية بشكل فوري.

وفي قطاع الصناعة، أصبحت خدمات سعة نقل البيانات العالية مطلباً مهماً لتشغيل تطبيقات التصميم بواسطة الحاسوب “CAD” وبرامج التصنيع بمساعدة الحاسوب “CAM”. كما يمكن استشعار التأثير الكبير لإتاحة سعة نقل بيانات عالية في الارتقاء بدور ومنظومة قطاع التعليم، عبر اتاحة مجالات أوسع لتبادل المعلومات والتعلم عن بعد، بالإضافة للانعكاسات الإيجابية الأخرى لهذه الطفرة التقنية في المجال الطبي وتقنيات العلاج عن بعد (Telemedicine).

لقد أصبح الحصول على سعة نقل بيانات عالية من العوامل الأساسية والحيوية لإيجاد اقتصادات مستدامة قائمة على المعرفة، وهو الأمر الذي يُتيح لمختلف دول العالم توسيع وتنويع قاعدتها الاقتصادية، وتعزيز التنافسية بشكل أكبر في منظومة الاقتصاد العالمي المتنامي والمترابط باستمرار.

ويمكن القول بكلمات مختصرة، أن الحصول على سعة نقل بيانات عالية هو السبيل الأفضل للحصول على مجالات أعمال أفضل وأكثر تنافسية وتميز من غيرها.

وهناك العديد من النماذج المميزة من مختلف أنحاء العالم، التي يمكن دراستها لمعرفة أفضل سبل استثمار شبكات النطاق العريض عالية السرعة، حيث لا يوجد نموذج محدد يمكن تعميمه بشكل مماثل على جميع الدول، وذلك لوجود تباينات وعوامل ستؤثر بلا شك على الاستراتيجية الأمثل في التطبيق مثل، الموقع الجغرافي وعدد السكان والوضع الاقتصادي وشبكات الاتصالات القديمة وغيرها من العوامل المختلفة.

ومن هذا المُنطلق، يتجلى لنا جميعاً الحاجة المُلحة لتأسيس شراكات مؤثرة بين القطاعين العام والخاص، بما يؤدي لتشكيل حوار متبادل وأُطر استراتيجية صلبة تضم المؤسسات الحكومية، ومشغلي شبكات الاتصالات، ومزودي خدمات الإنترنت، إلى جانب مراعاة متطلبات مجموعة المستهلكين والشركات.

وبالحديث عن التحديات التي تعترض طريق انتشار شبكات النطاق العريض، يجب أن نشير إلى ارتفاع تكاليف الاستثمار في البنية الاساسية لقطاع الاتصالات، والتي تترافق في كثير من الأحيان بمجموعة من المخاطر والصعوبات، كما تتطلب بطبيعتها وقتا طويلاً لجني عوائد استثماراتها.

وهنا يكمُن دور الحكومات، لتعمل على إيجاد هيكلية عمل متكاملة، من شأنها التشجيع على الاستثمار وتعزيز معدلات الطلب. كما أن فرض الضرائب بات جزءاً من هيكلية العمل، حيث يمكن للسياسة الضريبية أن تكون عاملاً مُساهماً للتشجيع، أو عائقاً أمام الاستثمار.

ولذلك يجب على الحكومات ألاّ تنظر إلى الإيرادات المكتسبة على المدى القصير من فرض ضرائب عالية على شركات تشغيل الاتصالات بشكل مباشر أو غير مباشر، وعوضاً عن ذلك، عليها تهيئة بيئة مواتية لفرض الضرائب يمكن من خلالها الوقوف على الإمكانات التي تسهم في تشكيل ثروة وطنية، من خلال الاستثمار المستدام في الوصول العالمي والمفتوح لسعة نقل بيانات عالية.

وفي الختام، اسمحوا لي أن أؤكد لكم مجدداً على أهمية عمل الحكومات في تسهيل انتشار الشبكات عالية السرعة، وضمان تمتع الأفراد والمجتمعات بهذه التقنيات الحديثة، وذلك عبر التعامل مع السياسات التنظيمية وقوانين الضرائب بأسلوب واقعي من شأنه أن يضمن حصول الجميع على سعة نقل بيانات عالية، ويسهم في تعزيز مجالات التنمية الاجتماعية والاقتصادية المحلية والعالمية.

شكراً لكم